الخميس، 15 يناير 2015

السعادة و الحزن




الحزن يعطي العمق. السعادة تعطي الارتفاع. الحزن يعطي الجذور. السعادة تعطي الفروع. السعادة  مثل شجرة تخوض في السماء، والحزن مثل جذور تتوغل في رحم الأرض. وهناك حاجة لهما على حد سواء، كلما تعلو الشجرة،تكون اكثر  عمقا وغنى، في نفس الوقت
 الشجرة الاكبر ، حتماً ستكون جذورها عميقة
. في الواقع،هي دائماً في تناسب
 هذا توازنه 

الأربعاء، 17 سبتمبر 2014

حول الحب والاستحواذ


 إذا كنت تحب زهرة، لا تقطفها
لأنك إذا قطفتها فإنها تموت وتتوقف عن أن تكون ما تحب
لذلك إذا كنت تحب زهرة،دعها كما هي
الحب ليس مجال للإستحواذ  
الحب هو التقدير

الثلاثاء، 16 سبتمبر 2014

جرّبوا الحياة !


جرّبوا الحياة بكل الطرق الممكنة
حسن سيئة والمر الحلو، والظلام الضوء، 
الصيف والشتاء. جرّبوا كل الثنائيات. 
لا تخافوا من الخبرة، 
لإن
كلما تزداد خبرتك وكلما  
تصبح أكثر نضجاً

الثلاثاء، 29 أكتوبر 2013

ضرورة العودة إلى التنّور

يقول أوشو: جُبت هذا العالم وكانت رسالتي واضحة وواحدة وتعجبت من الناس كم كانوا غير مستعدين لسماعها، فأغلقوا الأبواب في وجهي وأقفلوا الحدود لأن كتابي المقدس هو أنت أيها الإنسان.
البلاد كذبة كبيرة، والأمة هي من اختراع السياسيين، الإنسان هو الأساس، الإنسان هو الحقيقة، هو الوجود، الهند ذاتها يحكمها سياسيون كذبة، وينتشر فيها اللصوص وتجار السوق السوداء.. إنهم يشكلون هنداً داخل الهند، ومن هنا فالسؤال يجب أن يكون في أي بلد يكثر الصالحون وفي أي بلد يكثر الفاسدون وليس أي بلد هي الأفضل، وأي بلد هي الأسوأ؟ لذا، في يد سأرفع علم الهند مفتخراً وبيد ثانية أود تمزيق هذا العلم خجلاً.
زرت بلداناً كثيرة وفي كل بلد هناك بشر صالحون وآخرون فاسدون، وهؤلاء يمسكون زمام السلطة هم الساسة والتجار وأصحاب النفوذ، هم أصحاب النزعات العدائية، ولهذا فهم المسيطرون على مقدرات البلد بما فيها الصالحون، الذين يحبون الاستراحة وراحة البال ويدعون إلى اللا عنف، إذاً، إذا أردت البحث عن هؤلاء، ما عليك إلا أن تقصد الأمكنة التي تعرف الهدوء والسكينة إلى أمكنة الخلود والبقاء.
من هنا فالعالم ينقسم إلى قسمين، وليس البلاد، الفاسدون يسيطرون والصالحون لا يهتمون بتفاهات الدنيا المادية، دون اهتمام بمن يحكم أو يمسك بزمام السلطة، الصالحون يبحثون عن النعمة، عن الحب، عن جوهر الوجود المنبعث من دواخل ذواتهم.
هناك طريق واحد يوصلك إلى التأمل هو البحث عن ذاتك داخل ذاتك. ويوم تتمكن من التعرف على ذاتك ستمطر الدنيا، والمطر لن يسأل إن كان هذا السطح بيت هذا أو ذاك، وما الذي يجعل الغيمة تمطر دون السؤال على من تمطر؟ فما عليك إلا أن تكون مستعداً، مستعداً لتقبل الحياة.
مفتاح باب التأمل هو جد صغير، كل مفاتيح أبواب التأمل جد صغيرة، مفاتيح باب التأمل هي الهدوء والسكينة المطلقة، الصمت، الصمت، والإحساس بأنك هناك.. أنت وحدك .. لا أحد معك ولا شيء إلى قربك، هناك، حيث لا شعور «بأن أكون» في تلك اللحظة يتحول الوجود إلى سرمدي خالد، وتمطر غيوم الخلود عليك.
الخلود ليس بحاجة لمن يبحث عنه وإلا نكون نخدع أنفسنا، أية قدرة لديك تمكنك من إيجاد الخلود! هناك مثل مصري قديم يقول: «حين يكون التلميذ مستعداً، يحضر المعلم» والاستعداد هو براحة البال، وبالهدوء، والسكينة، هكذا تمتلئ ذاتك بالنعمة والبركة.. عبثاً تبحث عن شيء، إن لم تكن مستعداً كل الاستعدادات لملاقاته.
بالنسبة لي الحب والتسامح هما أعلى ما في الحياة. إن لم يكن في الوجود ففي الحياة اليومية.
وبالنسبة لي أيضاً، أن العالم كله هو عائلة واحدة، ولا فرق بين كائن بشري وآخر. وأنا شخصياً لا أريد أن أرتكب أي خطيئة، لا أريد جعل هذا العالم تحت تأثيري، بل أريد من العالم أن يضمني إلى صدره، وأن ينسى اسمي،. أن ينسى عنواني ويتذكر نفسه. أنا لست داعية إلى دين أو حزب.
لي عند كل هؤلاء الذين يحبونني طلب واحد ليبرهنوا على حبهم لي، أن ينظروا إليّ ثم ينسوني إلى الأبد، نعم، إذا كانت الحقيقة قد أعلنت من خلالي، فعاملوها بحب، أحبوا الحقيقة، دعوها في قلوبكم، إنما عليكم أن تعرفوا أن الحقيقة ليست ملكاً لي ولا ملكاً لأحد، الحقيقة هي ذاتها، لا لون لها ولا طعم.
******

الأربعاء، 2 أكتوبر 2013

عِش اللحظة , قصة طرحها أوشو في كتاب الشجاعة

أعلن راهب زن هرم في آخر يومٍ له . وهو على سرير الموت , أنه لن يستمر في العيش بعد اليوم . كان له مُحبون كثر من كل حدب وصوب , وقد حضر اتباعه ومريدوه واصدقاؤه الذين تجمّعوا حوله في ذلك المساء .

هرع احد تلامذته القدامى الى السوق عندما سمع أن المعلّم على وشك الموت , فسأله أحدهم : إن المُعَلّم يموت في فراشه , فلماذا تذهب الى السوق ؟ أجاب التلميذ : “أعرف ان معلّمي المحبوب يفضّل نوعاً معيناً من الحلوى , لهذا سأذهب لشرائها ” .
كان من الصعب العثور على تلك الحلوى , لكنه في النهاية عثر عليها , ثم عاد مسرعاً إلى معلمه .
كان الجميع قلقين , فقد بدا المعلّم كما لو انه ينتظر شخصاً ما , وكان يفتح عينيه ويغلقهما بين الفينة والأخرى , وعندما حضر التابع , قال المعلّم : “لقد عدت إذن , أين الحلوى ؟” فقدّم له التابع الحلوى , وكان مسروراً لأن المعلم سأله عنها .

أمسك المعلم الحلوى بيده وهو يحتضر ولم تكن يداه ترتجفان , على الرغم من انه كان عجوزاً هرماً , فسأله أحدهم : إنك طاعن في السن , وعلى حافة الموت , وعلى وشك أن تلفظ النفس الأخير , وعلى الرغم من هذا فإن يديك لا ترتجفان ! .
فأجابه المعلم : “انا لا ارتجف ابداً . فأنا لا أخاف , لقد اصبح جسدي هرماً لكنني لا زلت شابّاً , وسأظل شابّاً حتى لو انتهى الجسد” .
ثم قضم الحلوى , وبدأ يمضغها , بعدها سأله أحدهم : ما هي وصيتك الأخيرة أيها المعلّم ؟ إنك ستتركنا عما قريب , فماذا تريد منا أن نتذكّر ؟
ابتسم المعلّم قائلاً : “هذه الحلوى شهيّة” .
إنه انسان يعيش اللحظة : “هذه الحلوى شهيّة” .
حتى الموت لا علاقة له باللحظة , لأن اللحظة التالية لا معنى لها .
ففي هذه اللحظة : هذه الحلوى شهيّة , فإذا استطعت أن تكون في هذه اللحظة , في اللحظة الحالية تماماً , حينها فقط تستطيع أن تُحِب .
إن الحب هو ازهار نادر الحدوث , والملايين من الناس يعيشون بمواقف رائعة على انهم محبّون . يعتقدون انهم يحبون , لكن ذلك مجرّد اعتقاد .
إن الحب تفتّح نادر , ذلك أنه يحصل فقط عندما لا يكون الخوف موجوداً , وليس قبل ذلك .
************
المصدر

الاثنين، 27 ديسمبر 2010

المركب الفارغ - الفصل الثاني

الحكيم أوشو


ترجمة: د. محمد ياسر حسكي
الفصل الثاني
رجل الداو
الرجل الذي يعرف الداو
يتصرف بدون اعاقات،
وهو بتصرفاته لا يجلب الضرر لأي مخلوق حي،
ورغم ذلك فهو لا يفكر بأنه رحيم ولطيف.
هو لا يحاول جمع المال،
ولا يجعلُ الفقر وفعل الخير مزيّة له.
هو يمشي في طريقَه دون الاعتماد على الآخرين،
وهو لا يفتخرُ بنفسه أنه يمشي لوحده.
رجل الداو يبقى مجهولاً.
فاعل الخير الكامل لا ينشا أي شيء.
ال"لا أنا" هي الأنا الحقيقية.
الرجل العظيم "لا أحد".
الشيء الصعب، والذي يشبه المستحيل بالنسبة للعقل، هو أن يبقى في المنتصف، وأن يبقى متوازنا. والانتقال من القطب الأول إلى القطب المعاكس هو الشيء الأسهل بالنسبة له، هذه هي طبيعة العقل. يجبُ أن نفهم ذلك بعمق شديد، وأن نشعر به وإلا فلن يستطيع أي شيء أن يدلك إلى التأمل.
طبيعة التفكير أن يتحركَ من نهاية إلى أخرى، وهو يعتمد على عدم التوازن. عندما تكون متوازنا، فإن التفكير يختفي. التفكير يشبه المرض من حيث أنه موجود عندما يكون هنالك خلل في توازن الإنسان، وهو يختفي عندما يكون التوازن موجودا.
فلذلك من السهل بالنسبة للشخص الذي تعود على ملئ بطنه باستمرار أن يتحول إلى الجوع. قد يبدو هذا امر غير منطقي، لأننا نعتقدُ أن الشخص الذي أصبحت فكرة الأكل بالنسبة له فكرة مستمرة لا يستطيع أن يجوع، في الحقيقة هذه الفكرة غير صائبة. لأن الشخص الذي يعاني من عقدة الأكل الكثير هو الذي يستطيع فقط أن يجوع، لأن الجوع هو نفس الفكرة ونفس العقدة ولكن في الاتجاه المعاكس. هذا الشخص لا يتغير في الحقيقة، لأن فكرة الأكل مازالت هي المسيطرة، حيث كان يتخم بالأكل سابقا أما الآن فهو جائع. التفكير مازال يثبت انتباهه على مشكلة الأكل ولكن من النهاية المعاكسة.
الرجل الذي يفرط في إشباع الشهوة الجنسية يمكن أن يتحول إلى عدم استعمال الجنس بسهولة شديدة، وليس هنالك أية صعوبة في ذلك. ولكن أن يتحول الإنسان إلى الاستعمال الوسطي أو إلى نظام الكل المعتدل فهذه مسألة صعبة بالنسبة للتفكير، نعم من الصعب جدا بالنسبة للتفكير أن يبقى في المنتصف.
لماذا من الصعب البقاء في المنتصف؟ الأمر هنا مشابه للبندول الذي يذهب إلى اليمين، ثم ينتقل إلى اليسار، ثم يعود من جديد إلى اليمين، ثم إلى اليسار. إن أنظمة الساعات تعتمد بشكل كامل على هذه الحركة، ولو توقف البندول في المنتصف، لَتوقفت الساعة فورا. عندما يتحرك البندول إلى اليمين، أنت تَعتقد أنه سيتحرك إلى اليمين فقط، ولكنه في نفس الوقت يجمع القوى ويزيد من التأهب لينتقل إلى أقصى اليسار، وكلما كان انحرافه إلى اليمين أكبر، كلما كانت الطاقة المتجمعة والتي تنقله إلى اليسار في أقصى الجهة المعاكسة أكبر. وهناك في اليسار يجمع القوى ويزيد من التأهب لينتقل إلى أقصى اليمين من جديد.
عندما تتخم من الأكل، فأنت تزيد من التأهب لتنتقل إلى الجهة المعاكسة حيث ستجوع. عندما تفرط في استعمال الجنس، فعاجلا أم آجلا، سوف تصل لدرجة التوقف الكلي عن الجنس.
نفس الشيء يحدثُ من القطب المعاكس. اذهب واسأل الذين كانوا رهبانا من طلابي. لقد جعلوا مهمتهم في الحياة أن يبقوا عازبين وأن يمتنعوا عن الجنس، الآن ستجد عقولهم تَزيد من التأهب للغرق في الجنس بشكل كلي.
لقد جعلوا هدفهم الصوم والجوع، وعقولهم تُفكر بشأن الغذاء بشكل ثابت. عندما تفكر كثيرا بشأن الغذاء فهذا يعني أنك تَزيد من التأهب في هذه النقطة. التَفكير يعني زيادة الحافز ريثما يبدأ العقل بتحضير الشيء المعاكس.
الشيء الأول: حيثما تحركت، فأنت تتحرك إلى الشيء المعاكس أيضاً، لأن كل شيء موجود مع عكسه ولكن أحدهما مختف وغير ظاهر.
عندما تَحبُّ شخصا فأنت تَزيد من التأهب لكي تنتقل إلى كراهيته، ولذلك نجد أن الأصدقاء فقط يُمكن أن يُصبحوا أعداء. أنت لا تَستطيع أن تعادي انسانا فجأة ما لم تكن وإياه صديقين أولا. الناس الذين يحبون بعضهم أحباء يتشاجرون ويتحاربون. الأحباء هم الوحيدون الذين يمكنُ أن يتضاربوا ويتحاربوا، لأنه ما لم تَحب، كيف ستَكره؟ ما لم تميل بعيداً إلى أقصى اليسار المتطرّف، كيف تستطيع التحرك إلى اليمين؟
الأبحاث المعاصرة تؤكد أنّ ما يسمّى بالحب هو علاقة عداوة قريبة مخفية. زوجتك أو زوجك كلاهما قريب وعدائي. هذه الأبحاث تبدو متناقضة وغير منطقية، لأنه من الغرابة أن يكون الشخص القريب أو الصديق أعداء وخصوم لنا؟
المنطق سطحي، مقارنة مع الحياة التي تَذهبُ أعمق، والتي نرى فيها تواجد كل المتناقضات بآن واحد، حيث لا وجود لأحدها دون الآخر. تذكّرْ هذا، لأن التأمل يُصبحُ عاملا مُوازنا عند ذلك.
ترك بوذا ثمانية قواعد أساسية، وكان يستعمل مع كُلّ قاعدة كلمة الصحيح. لقد قال: استعمل الجهد الصحيح، لأنه من السّهل جداً الانتقال من العمل إلى اللاعمل ومن اليقظة إلى النوم، ولكن من الصعب البقاء في المنتصف.
عندما استعمل بوذا كلمة "الصحيح" هو كان يعني أن لا نتجه الطرف المعاكس، وأن نبقى في المنتصف. يجب أن نأكل بشكل صحيح، هكذا كان يدعو بوذا ولم يكن يدعو للجوع أبدا. لا تنغمس في الأكل أكثر من اللازم، ولا تنغمس في الجوع أيضا. كان بوذا ينصح: اتجه إلى الغذاء الصحيح، لأن الغذاء الصحيح يعني أننا نقع في المنتصف.
عندما تَقف في المنتصف، فأنت لا تزيد من تأهبك، وفي هذا جمال بديع، لأن الإنسان الذي لا يزيد من تأهبه للتَحرك إلى مكان ما، يُمكِن أن يكون حرا وهادئا ويمكنه أن يتمتع بالحياة ويشعر بالراحة مع نفسه، وكأنه في بيته.
أنت لا تستطيع أن تشعر بالراحة وكأنك في بيتك، لأنك مهما فعلت فسوف تضطر لفعل الشيء المعاكس لكي تشعر بالتوازن. ولكن الشيء المعاكس لا يعطي التوازن أبداً وإنما يولد الوهم لديك بأنك متوازن، ولكن بعد فترة وجيزة يجبُ أن تَنتقل إلى الطرف المعاكس.
بوذا ليس صديقا ولا عدوا لأي أحد. لأنه تَوقف ببساطة في المنتصف، في حالة الساعة التي لا تعمل.
يقال أنه عندما وصل احد المتصوفة إلى حالة العرفان، فإن الساعة توقفت فجأة على حائطه. قد يكون هذا الحدث قد تم بحذافيره وقد لا يكون، ولكن الرمز المستخدم واضح: عندما يتوقف التفكير، يتوقف الوقت، عندما يتوقف البندول، تتوقف الساعة. منذ ذلك الحين لم تتحرك الساعة، وهي تشير إلى نفس الوقت دائماً.
الوقت يتولد عندما يتحرك التفكير، مثل حركة البندول. عندما يتحرك التفكير تُحسُّ بالوقت، وعندما يكون التفكير متوقفا كيفَ يمكن أن نشعر بالوقت؟ عندما لا يكون هناك حركة، لا يُمكن أن نشعر بالوقت.
العلماء الماديون والحكماء مجتمعون على هذه النقطة: "الحركة تولد ظاهرة الوقت". إذا كنت لا تَتحرّك، فسوف يختفي الوقت، وتظهر الأبدية إلى الوجود.
الحقيقة أن وضعك الحالي يشبه ساعتك عندما تَتحرك بسرعة فتقدم في الوقت، ويشبه آليتها التي تتحرك من نهاية إلى أخرى.
الشيء الثاني الّذي يجب أن نفهمه بشأن التفكير أنه يتجه دوما إلى البعيد، ولكنه لا يتجه مطلقا إلى القريب. الشيء القريب يجعلك تمل وتسأم، أما الشيء البعيد فهو يُولد فيك الأحلام والآمال، ويُعطيك إمكانية التمتع والسرور. فلذلك يجد التفكير دائما في الشيء البعيد شيئا مثيرا. حيث كثيرا ما تكون زوجة الغير هي الجميلة والجذابة، وكثيرا ما تلاحقك الأفكار عن بيت الغير، وكثيرا ما تسحرك سيارة شخص آخر، لأن كل ذلك بعيد عنك. أنت أعمى بالنسبة للشيء القريب، لأن تفكيرك لا يستطيعُ رؤية الشيء الذي يقع بقربه، في حين أنه يستطيع أن يرى الشيء البعيد فقط، نعم إن التفكير يعاني دائما من بعد النظر.
وما هو الشيء البعيد، الأكثر بُعداً؟ إنّ الشيء المعاكس هو الأكثر بُعداً. عندما تَحبُّ شخصا فإن الكراهية هي الظاهرة الأكثر بُعداً، عندما تكون عازبا أو راهبا فإن الجنس هو الظاهرة الأكثر بُعداً، عندما تكون ملكا، فالظاهرةُ الأكثر بُعداً أن تصبح راهبا!
الشيء الأكثر بُعداً هو الشيء الذي نحلم به، وهو يجذبنا ويمتص كل مساحة تصوراتنا، ويستمرُّ بدعوتنا إلى القطب المعاكس، وعندما نصل للقطب الآخر، يصبح المكان الذي بدأنا منه السفر جميلا من جديد.
عندما تطلّق زوجتك، فبعد بضعة سنوات، تصبح الزوجة المطلقة جميلة في نظرك من جديد. لقد جاءت لعندي ممثلة سينمائية، تم الطلاق بينها وزوجها قبل خمسة عشر سنة. وهي الآن كبيرة السن، وأقل جمالا من ذلك الوقت عندما تطلقت من زوجها. لقد تزوج ابنهم المشترك في السنة الماضية، وفي عرس الابن اجتمع الزوجان المطلقان، وكان لا بد لهما أن يُسافرا سوية. الشيء المذهل أن الزوج وقع في حبها ثانية، وقد أتت تسألني النصيحة: "ماذا يجب أن أعمل؟ لقد تقدم لخطبتي ثانية، وهو يريد الزواج"
لقد كانت هي أيضا مسحورة وواقعة في الحب، وكانت تنتظر مني أن أقول نعم. قلت لها: " ولكن لقد عشتما سوية، وكان حياتكما عبارة عن نزاع وشجار دائم ولا شيء أكثر من ذلك. لقد كنت أَعرفُ القصّةَ بشكل كامل، كيف كنتما تتحاربان وتتشاجران وكيف جعلتما من حياتكما جحيماً مليئا بالبؤس، والآن أنتما ثانية. . . ؟ "
الشيء المعاكس والنظير المقابل يجذب التفكير دائما ما لم نستطع من خلال الوعي والفهم أن نتخلص من هذا، التفكير يستمر بالانتقال من اليسار إلى اليمين، ومن اليمين إلى اليسار، وتستمر الساعة بالحركة.
هذا الانتقال مازال مستمرا منذ أجيال وأحقاب بعيدة، حيث كان الإنسان يخدعُ نفسه، لأنه لم يكن يفهم آلية الشيء الذي يحدث. لقد كان الشيء البعيد دائما يصبح جذابا، مما يجعله يبدأ الرحلة من جديد. وفي تلك اللحظة عندما يصل لهدفه الموضوع يصبح الشيء الذي كان قريبا ومعروفا بعيدا الآن، مما يجعله جذابا ويحوله لنجمة ساطعة، ويجعله نافعا جدا في نظرنا.
لقد قرأت عن طيار كان يطيرُ مع صديق له فوق كاليفورنيا. أخبر الطيار صديقه: " انظر إلى الأسفل إلى تلك البحيرة الجميلة. لقد ولدت بقربها، وتلك هي قريتي."
أشار الطيار إلى قرية صغيرة جثمت على التلال قُرب البحيرة، ثم قال: " لقد ولدت هناك، وعندما كُنتُ طفلا كنت كثيرا ما أَجلسُ قُرْب البحيرة لاصطياد السمك، لقد كان صيد السمك هوايتي المفضلة.
في ذلك الوقت، عندما كنْت طفلا يصيد السمك قرب البحيرةِ، كانت الطائرات تطير في السماء وتعبر فوق رأسي، وكنت أحلمُ بذلك اليوم الذي أصبحُ فيه طيارا وأَقودُ فيه طيارة بنفسي، لقد كان ذلك حلمي الوحيد. لقد تحقق هذا الحلم الآن ولكن ما هذا البؤس الذي أنا فيه ! أنا الآن أنظرُ بشكل مستمر إلى البحيرةِ وأُفكّرُ بذلك الوقت عندما سأَتقاعدُ وأذْهبُ لصيد السمك ثانية في تلك البحيرة الجميلة والرائعة."
هكذا يحْدثُ دائما معنا، في الطفولة، نحن نتمنى باشتياق أن نكبر فورا، لأن الناس الأكبر سنّاً أكثر حكمة. الطفل الصغير يشعر أن كبار السنّ حكماء، وأنه مهما فعل فسيخطئ دائماً. بعد ذلك اسألوا الرجل العجوز، إنه يعتقد دائماً بأنه عندما ضاعت الطفولة فقد كُلّ شيء، لقد بقيت الجنة هناك في الطفولة. إن كبار السن يمُوتون دائما وهم يفكرون بالطفولة، والبراءة، والجمال، وأرض الأحلام.
عندما نمتلك أي شيء يصبح عديم الفائدة، ولكن الشيء غير الموجود حتى الآن عندك يبدو مفيدا بشكل كبير! تذكّرْ هذا، وإلا فلن تحصل على حالة التأمل المطلوبة، لأن التأمل يَعْني الفهم: فهم طبيعة التفكير وآليته وكيفية عمله.
التفكير شيء جدلي، وهو يجبرك أن تتحرّك مراراً وتكراراً إلى الطرف المعاكس. وهذه عملية لانهائية، لا تنتهي أبداً ما لم تتركها فجأة، بعد أن تدرك اللعبة، وتعي خدعة العقل، وتتوقف في المنتصف.
التوقف في المنتصف هو التأمل.
ثالثاً: لأن التفكير يتألف من المتناقضات، والأقطاب المتعاكسة فأنت لست كاملا. التفكير لا يُمكنُ أن يَكُونَ كاملا، لأنه دائما نصف غير كامل. هل لاحظت أنه عندما تحب شخصا ما فأنت تقْمعُ كراهيتك؟ الحبّ عندك ليس كاملا، وخلفه تختفي كُلّ القوى المظلمة التي يمكن أن تنفجر في أيّ لحظة، أنت تعيش على بركان حقيقي.
عندما تحبُّ شخصا ما، فأنت تنسى ببساطة أنه عندكَ غضب وكراهية وحقد وغيرة. أنت ترمي كل هذه المشاعر السلبية كما لو أنها غير موجودة. ولكن كيف تستطيع رميها؟ أنت تستطيع ببساطة أن تخفيها في العقل الباطن. أنت يمكن أن تصبح محبا على السطح في حين أنه في أعماقك يختفي كل هذا الاضطراب، ولكن عاجلاً أم آجلاً ستضجر من هذا الوضع، وسيصبح من تحبه إنسانا عاديا وتصبح المحبة شيئا مألوفا يمكن أن يجلب الانزعاج والضجر.
يقولون أن العلاقات القريبة جدا قد تولد الاحتقار، ولكنّ الحقيقة أنه ليس السبب في العلاقات، وإنما في القرب الشديد الذي يجعلك تمل بشكل سريع، الاحتقار موجود دائما بشكل مخفي، وهو يتفلت ويصعد إلى السطح عندما تسنح الفرصة ويكون الوقت مناسبا، البذرة السلبية كانت دائما موجودة من البداية.
التفكير يحتوي في باطنه على نقيض كل الأشياء، والنقيض يكون دائما مختف في اللاوعي "العقل الباطن" ينتظر تلك اللحظة التي يتحرر فيها للخارج. عندما تراقب نفسك في كل دقيقة، فستلاحظ هذا الأمر بشكل أكيد
عندما تقولُ لشخص ما: "أحبُّك" أغلق عينيك، واغرق لفترة قصيرة في التأمل، واشعر هل هناك أيّ كراهية مختفية؟ أنت تشعر - ولا بدٌ- بها، ولكنك تريدُ خداع نفسك، لأن الحقيقة قبيحة جداً. الحقيقة أنك تكره الشخص الذي تحبه، ولكنك لا تريدُ مواجهة هذه الحقيقة.
أنت تفضل الهروب من الواقع، ولذلك لابد من دفن هذه الحقيقة، ولكن محاولتك ستكون ولابد فاشلة، ولن يساعدك إخفاء الحقيقة في شيء، لأنك لا تخدعُ أي شخص آخر، أنت تخدعُ نفسك.
لذلك حينما تشعر بأي شيء، أغلق عينيك ببساطة واسبح إلى أعماقك لإيجاد الشيء المعاكس، وهو لابد موجود هناك في مكان ما. وإذا استطعت أن ترى الشيء المعاكس، فسوف تعطيك هذه الرؤية التوازن الحقيقي، وعندها لن تقول: "أحبك" وإنما ستقول بصدق: "علاقتي بك خليط من الحب والكراهية."
كُلّ العلاقات عبارة عن خليط من الحب والكراهية. وليس هنالك حب صاف، ولا كره صاف. عندما تكون صادقا فستكون في حالة صعبة، فعندما تقول لأي امرأة: "علاقتي معك خليط من الحب والكره، أنا أحبك كما لم يحبك أي شخص آخر وأنا أكرهك كما لم يكرهك أي شخص آخر" فسيكون من الصعب أن تتزوج ما لم تجد الفتاة المتأملة التي تستطيع فهم الحقيقة، سيكون من الصعب معاشرة الناس ما لم تجد صديقا يستطيع فهم تعقيدات التفكير.
التفكير ليس آلية بسيطة، وإنما هو التعقيد بحد ذاته، وبمساعدة التفكير عندما تمشي على طريقه لا يمكن أن تصبح بسيطا، لأن التفكير يستمر بتوليد الأوهام التي تخدعك.
حالة التأمل تعني أن ندرك تلك الحقيقة بأن العقل يخفي شيئا ما عنك، وأنك تغمض عينيك ولا تلق بالا لبعض الحقائق التي تزعجك. ولكن عاجلاً أم آجلاً هذه الحقائق المقلقة ستطفو إلى السطح، متفجرة رغما عنك، مما يؤدي لتوجهك فورا إلى الشيء المعاكس. وهذا الشيء المعاكس ليس هناك في مكان بعيد، على سطح نجم في مجرة مجاورة، وإنما هو مختف خلفك، في أعماقك، في عقلك الباطن، في عمل العقل بحد ذاته. عندما تستطيع أن تفهم هذا، فستتوقف في المنتصف.
عندما تكون قادرا على رؤية المتناقضين :أنا أحب وأنا أكره"، فسوف يختفي كلاهما فجأة، لأنه لا يمكن أن يوجد كلاهما سوية على سطح الوعي. لابد من وجود فاصل بينهما بحيث يقع أحدهما في العقل الباطن ويقع الآخر على سطح الوعي.
كلا المتناقضان لا يمكن أن يتواجدا على سطح الوعي، لأنهما سينفيان بعضهما البعض. الحب يُحطم الكراهية، والكراهية بدورها تحطم الحب، وكل منهما يوازن الآخر، وعندما يكون لدينا نفس كمية الكراهية ونفس كمية الحب فسنرى أنهما فجأة سيختفيان، وستبقى أنت بدون حب ولا كراهية في حالة من التوازن.
عندما تكون متوازنا، فليس هنالك تفكير، وأنت كامل. وهكذا التأمل هو حالة اللاتفكير، ولا يمكن أن نحصل على التأمل من خلال التفكير. لا يمكن الحصول على هذه الحالة من خلال التفكير، مهما فعلت. إذن ما الشيء الذي يفعله الإنسان عندما يتأمل؟
لأننا أنشأنا لأنفسنا حياة مليئة بالتوتر، فلذلك نحن بحاجة للتأمل الآن.ولكن الحقيقة أن الشيء المعاكس للتوتر ليس تأملاً حقيقياً. أنت متوتر جداً، مما يجعل التأمل جذابا جدا. فلذلك نجد أن التأمل يأخذ اهتماما أكبر في العالم الغربي أكثر من الشرق، لأن التوتر في الغرب أكثر وأكبر. الشرق يشعر بالاسترخاء مقارنة مع عالم الغرب، حيث نرى أن الناس ليسوا متوترين بشكل كبير، وهم لا يصلون لدرجة الجنون بسهولة، ولا ينتحرون كذلك بسهولة. الناس في الشرق غير ممتلئين بالعنف، والعدوانية، وليس لديهم هذا العدد الكبير من المخاوف، مما يجعلهم غير متوترين. الناس في الشرق لا يعيشون في مثل هذه السرعة المجنونة حيث لا يتجمع أي شيء في الحياة العادية غير التوتر.
ولذلك عندما يأتي ممارس اليوغا إلى الهند، فليس هنالك من يستمع إليه. ولكن في أمريكا، الناس يستمعون له بجنون. عندما يكون التوتر قويا، فإن التأمل يصبح مثيرا للاهتمام. ولكن بهذا الاهتمام يقع الإنسان ثانيةً في نفس الفخ. لأن هذا ليس تأملاً حقيقياً، وإنما خدعة وفخ آخر. عندما تتأمل لمدة بضعة أيام، فستشعر بالراحة، والاسترخاء، مما يجعلك تشعر بالحاجة إلى فعل شيء ما من جديد، حيث يبدأ التفكير بالبحث عن عمل شيء ما، يكون فيه حركة وتوتر. لقد ضجرت من التأمل.
كثيرا ما يأتي الناس لعندي وهم يشتكون : "لقد مارسنا التأمل لمدة بضع سنوات، ثم أصابنا الملل، ولم نعد نشعر بأهمية ذلك."
قبل بضعة أيام أتت لعندي فتاة وقالت: "لم يعد التأمل يجلب لي المتعة، ماذا يجب أن أعمل؟ "
الآن يبحث التفكير عن شيء آخر، لأنه حصل على ما يكفيه من التأمل. وعندما شعرت هذه الفتاة انها هادئة ومسترخية، بدأ التفكير يطلب المزيد من التوتر، ويتوجه إلى الحصول على شيء ما يحطم الهدوء الناتج.
عندما تقول هذه الفتاة ان التأمل لم يعد مثيرا فهي تعني أنه عندما لم يعد هنالك توتر الآن فكيف ستحصل المتعة من التأمل؟ هذه الفتاة تريد أن تتحرك إلى التوتر ثانيةً، مما يعيد للتأمل صورته المثيرة والمليئة بالمتعة والنفع.
إنظرْ إلى سخافة التفكير: يجب أن تذهب بعيدا لكي تفترب أكثر، يجبُ أن تتوتر لكي تصبح متأملا. ولكن هذا ليس تأملاً حقيقيا، وإنما خدعة من التفكير نفسه، ولعبة تستمر ولكن على مستوى جديد.
عندما أقولُ "التأمل"، فأنا أعني الخروج عن حدود لعبة التعاكسات الموجودة في الأقطاب المختلفة، أنا أعني ترك اللعبة بكاملها، بعد رؤية سخافتها وتجاوزها. إن فهم هذه اللعبة هو بحد ذاته الطريق لتحويلها وتجاوزها.
التفكير سيجبرك على الانتقال إلى الشيء المعاكس، ولكن عليك أن لا تفعل ذلك، وقف في المنتصف لترى أن هذا كله كان دائماً خدعة من التفكير، الذي كان ومازال مسيطرا عليك من خلال الشيء المعاكس، هل شعرت بذلك؟
بعد ممارسة الجنس أنت تبدأ بالتفكير في الامتناع مطلقا عن ممارسته والانتقال إلى الرهبنة فجأة، وتصبح الرهبنة ذات فتنة سحرية، وتصبح في تلك اللحظة متأكدا أنه ليس هنالك شيء ما عدا الرهبنة يستحق الاهتمام. أنت تشعر بالإحباط وبأنك مخدوع، وبأن الجنس لا يعطيك أي شيء، وان الامتناع عنه هو طريقك إلى السعادة. ولكن بعد مضي أربع وعشرون ساعة، يعود الجنس ليُصبح شيئا مهما ثانيةً، مما يجعلك تبدأ بالحركة باتجاهه من جديد.
ماذا يفعل التفكير؟ بعد العملية الجنسية يبدأ التفكير بالبحث عن الشيء المعاكس، مما يؤدي إلى إعادة التذوق للجنس ثانية.
الرجل الذي يستخدم العنف يبدأ بالتفكير بشأن اللاعنف، لكي يستطيع من جديد أن يكون عنيفا. الرجل الذي يقع في الغضب دائما، يفكر بشكل متكرر بعدم الغضب وعن التسامح، ويقرر أن لا يبتلعه الغضب ثانيةً. هذا القرار يُساعده لكي يصبح غاضبا مرة أخرى.
إذا كنت تُريد حقاً أن لا تكون غاضبا، فلا تقرر أن تصبح ضد الغضب. انظر إلى الغضب، ثم إلى ظل هذا الغضب الذي تعتقد أنه التسامح. انظر إلى الجنس، ثم إلى ظل هذا الجنس، الذي تعتقد أنه الرهبنة. الحقيقة أن هذا هو الطرف السلبي أو الطرف الآخر فقط، حيث نرى الرهبنة هي الامتناع الكامل عن الجنس. انظر إلى التخمة، ثم إلى ظلها، الجوع. الجوع يتبع التخمة دائماً، وارتكاب الفاحشة بكثرة يتبع نذور العزوبية دائماً، والتوتر يأتي بعد تطبيقنا لبعض تقنيات التأمل. يجب أن ننظر لكل زوج من هذه الثنائيات سوية، وأن نشعر بعلاقتهما، وأنهما جزءان لعملية واحدة.
إذا استطعت أن تفهم هذا، فسوف يحدث التأمل المطلوب معك. الحقيقة أننا لسنا بحاجة لفعل أي شيء، لأن المشكلة هي مشكلة فهم لا أكثر. التأمل لا يحتاج لشيء يبذل، ينشأ، يطور، يدور، التأمل يحتاج لفهم ووعي عميقين.
الفهم يعطي الحرية. والوعي ومعرفة آلية التفكير بشكل كامل يعطي القدرة على التحول. حيث تتوقف الساعة فجأة، ويختفي الوقت. ومع توقف الساعة، يختفي التفكير. ولكن إذا توقف الوقت، أين أنت؟ إنا المركب فارغ

 

.

الأربعاء، 5 مايو 2010

جبران خليل جبران


جبران خليل جبران

تعليقات  أوشو
الحديث الأول: فجر يومي
الشهر الأول من عام 1987
مترجم من الروسية
يقول جبران خليل جبران:
وظل المصطفى , المختار الحبيب , الذي كان فجراً لذاته , يترقب عودة سفينته في مدينة اورفيليس اثنتي عشرة سنة ليركبها عائداً إلى الجزيرة التي ولد فيها .
و في السنة الثانية عشرة, وفي اليوم السابع من أيلول شهر الحصاد صعد إلى قمة إحدى التلال القائمة وراء جدران المدينة و ألقى نظرة عميقة إلى البحر, فرأى سفينته تمخر عباب البحر مغمورة بالضباب
فاختلج قلبه في أعماقه, وطارت روحه فوق البحر فرحاً , فأغمض عينيه , ثم صلىّ في سكون نفسه .
غير أنه ما هبط عن التلة حتى فاجأته كآبة صماء, فقال في قلبه: كيف انصرف من هذه المدينة بسلام, وأسير بالبحر من غير كآبة ؟ كلا ! إنني لن أبرح هذه الأرض حتى تسيل الدماء من جراح روحي
فقد كانت أيام كآبتي طويلة ضمن جدرانها , وأطول منها كانت ليالي وحدتي و انفرادي , ومن ذا يستطيع أن ينفصل عن كآبته ووحدته من غير أن يتألم قلبه ؟
كثيرة هي أجزاء روحي التي فرقتها في هذه الشوارع و كثير هم ابناء حنيني الذين يمشون عراة بين التلال فكيف أفارقهم من غير أن اثقل كاهلي و أضغط روحي !
فليس ما أفارقه بالثوب الذي انزعه عني اليوم ثم ارتديه غدا , بل هو بشرة أمزقها بيدي
كلا و ليس فكراً أخلفه ورائي بل هو قلب جمّلته مجاعتي و جعله عطشي رقيقاً خفوقاً.

 
جبران خليل جبران – الاسم بحد ذاته يجلب الكثير من الاعجاب والفرح الذي نعجز عن احتوائه وعن مقارنته بأي شيء آخر.
عند سماع هذا الاسم أشعر بأجراس ترن في قلبي الذي يشعر على الفور أنه لا ينتمي لهذا العالم "المادي".
جبران هو موسيقى صافية، سر ولغز يحتاجان للشعر الذي يستطيع ادراكهما أحياناً، لكن في بعض الأحيان فقط.
لقد إخترت لكم رجلا محبوبا على هذه الأرض الجميلة.
لقد كان هنالك رجال عظماء في القرون الماضية ولكن جبران صنف متفرد بحد ذاته. وأنا لا أَستطيعُ أن أتخيل أن يكون في المستقبل القريب رجل بهذه البصيرة العميقة التي ترى قلب الانسانية والمجهول الذي يحيط بنا بشكل واضح.
جبران قام بعمل شبه مستحيل واستطاع أن يقدم للبشرية من خلال لغته بضعة لمحات من ذلك العالم المجهول اللامرئي.
لقد استطاع جبران أن يرفع من مستوى اللغة البشرية والوعي الانساني بشكل لم يستطعه أي أديب آخر.
لقد استطاع جبران أن يدمج كل الحكماء والأدباء والشعراء والأرواح المبدعة ليذوبوا ويصبحوا شيئا واحدا.
وبالرغم من تأثير أدبه الكبير على الناس، ولكنه كان يشْعر أن مايملكه لَيس كل الحقيقة، وإنما لمحات وومضات منها، ولكن رؤية هذه الومضات هي بداية الطريق الذي يقودكم الى النهاية، إلى المطلق.
هناك رجل رائع آخر اسمه "كلاودي بريجدون" قال حول بضعة كلمات جميلة: " لقد جاءت قوته "أي جبران" من مخزن الحياة الروحية الكبير، وإلا لما كانت كلماته بهذا الشمول وهذه العظمة. لقد استطاع جبران أن يلف هذه القوة ويغلفها بلغة فخمة جزلة جميلة الأمر الذي يعجز الكثير عن فعله."
لقد أحببت دائماً هذه الشهادة من "بريجدون" مع أنني لست موافقا معه بشكل مطلق. نعم ليس هنالك حاجة للموافقة على الزهرة الجميلة وليس هنالك حاجة للموافقة على السماء المليئة بالنجوم ولكن يمكن تقييمها.
أنا أضع اختلافا واضحا بين الموافقة والتقييم العالي ويجب على كل رجل حضاري أن يفهم ويضع هذا الاختلاف، والا عدنا للحالة البدائية للوعي.
انا أوافقُ على كلام "بريجدون" بمعنى أن مايقوله جميل، ومن هنا أضع تقييما ممتازا للكلام. ولكني لا أَستطيعُ الموافقة لأن كل مايقوله هو ببساطة تخمين، لأنه لا يتكلم من منطلق تجربتَه الخاصةَ.
هل لاحظتم ؟ بريجدون يقول: " لقد جاءت قوته من مخزن الحياة الروحية الكبير، والا لما كانت كلماته بهذا الشمول وهذه العظمة" هذا كلام منطقي وعقلاني، ولكنه لايملك جذورا تفاعلية من التجربة الحقيقية. إنه يشْعرُ بأنّ هناك شيئا خارج حدود الدماغ يأتي من خلال جبران ولكنه لا يستطيع الجزم بذلك. وهو لا يُمكنُ أَن يجزم ويؤكد ذلك لأنه لا يملك تجربتَه الخاصة في هذا المجال. إنه معجب كثيرا باللغة الجميلة، حيث نرى كل كلمة تحمل من الشعر والأدب الكثير، ولكنه لايعي "مخزن الروحانية الكبير" لأنه لم يتذوقه ولم يجربه. هو نفسه مَا ذاقَه. لقد أحبَّ جبرانا ولكنه لم يعشه ولم يندمج معه.
إن حالتي تختلف عن "بريجدون" اختلافا كلياً. لذلك فأنا أود أن أقول لكم بضعة أشياء قبل أن أعلق على كلمات جبران:
أولاً: هو بالتأكيد شاعر عظيم، ولكنه ليس حكيما وهناك إختلاف كبير بين الشاعر والحكيم. الشاعر من وقت لآخر يجد نفسه فجأة في نفس الفضاء الذي يتواجد فيه الحكيم. في تلك اللحظات النادرة، تنمو الورود والأزهار حوله، في تلك المناسبات النادرة، يشعر نفسه تقريبا كالنبي ولكن تذكروا أنني أقول تقريباً.
هذه اللحظات النادرة تأتي وتذهب وهو لا يملك تلك اللحظات النادرة التي تأتي كنسيم يمتلأ بالعبير والشذا ثم لا تلبث إلا قليلا لندرك أنها ذهبت.
الشاعر العبقري هو الذي يمسك بتلك اللحظات ليحولها الى كلمات. هذه اللحظات تأتي وتذهب إلى حياتكم أيضاً، لأنها هدايا مجّانيةَ من الوجود، وهي بمعنى آخر ومضات تدفعكم للبحث عن الوصول للحظات يصبح فيها هذا الفضاء "فضاء الحكمة" هو حياتكم الحقيقية، دمكم، عظامكم، نخاعكم. أنفاسكم وحتى دقات قلوبكم، بحيث لاتستطيعون اضاعته حتى لو أردتم ذلك.
إن الشاعر يكون حكيما للحظات، والحكيم هو شاعر حقيقي إلى الأبد.