يقول جبران خليل جبران:
وظل المصطفى , المختار الحبيب , الذي كان فجراً لذاته , يترقب عودة سفينته في مدينة اورفيليس اثنتي عشرة سنة ليركبها عائداً إلى الجزيرة التي ولد فيها .
و في السنة الثانية عشرة, وفي اليوم السابع من أيلول شهر الحصاد صعد إلى قمة إحدى التلال القائمة وراء جدران المدينة و ألقى نظرة عميقة إلى البحر, فرأى سفينته تمخر عباب البحر مغمورة بالضباب
فاختلج قلبه في أعماقه, وطارت روحه فوق البحر فرحاً , فأغمض عينيه , ثم صلىّ في سكون نفسه .
غير أنه ما هبط عن التلة حتى فاجأته كآبة صماء, فقال في قلبه: كيف انصرف من هذه المدينة بسلام, وأسير بالبحر من غير كآبة ؟ كلا ! إنني لن أبرح هذه الأرض حتى تسيل الدماء من جراح روحي
فقد كانت أيام كآبتي طويلة ضمن جدرانها , وأطول منها كانت ليالي وحدتي و انفرادي , ومن ذا يستطيع أن ينفصل عن كآبته ووحدته من غير أن يتألم قلبه ؟
كثيرة هي أجزاء روحي التي فرقتها في هذه الشوارع و كثير هم ابناء حنيني الذين يمشون عراة بين التلال فكيف أفارقهم من غير أن اثقل كاهلي و أضغط روحي !
فليس ما أفارقه بالثوب الذي انزعه عني اليوم ثم ارتديه غدا , بل هو بشرة أمزقها بيدي
كلا و ليس فكراً أخلفه ورائي بل هو قلب جمّلته مجاعتي و جعله عطشي رقيقاً خفوقاً.
جبران خليل جبران – الاسم بحد ذاته يجلب الكثير من الاعجاب والفرح الذي نعجز عن احتوائه وعن مقارنته بأي شيء آخر.
عند سماع هذا الاسم أشعر بأجراس ترن في قلبي الذي يشعر على الفور أنه لا ينتمي لهذا العالم "المادي".
جبران هو موسيقى صافية، سر ولغز يحتاجان للشعر الذي يستطيع ادراكهما أحياناً، لكن في بعض الأحيان فقط.
لقد إخترت لكم رجلا محبوبا على هذه الأرض الجميلة.
لقد كان هنالك رجال عظماء في القرون الماضية ولكن جبران صنف متفرد بحد ذاته. وأنا لا أَستطيعُ أن أتخيل أن يكون في المستقبل القريب رجل بهذه البصيرة العميقة التي ترى قلب الانسانية والمجهول الذي يحيط بنا بشكل واضح.
جبران قام بعمل شبه مستحيل واستطاع أن يقدم للبشرية من خلال لغته بضعة لمحات من ذلك العالم المجهول اللامرئي.
لقد استطاع جبران أن يرفع من مستوى اللغة البشرية والوعي الانساني بشكل لم يستطعه أي أديب آخر.
لقد استطاع جبران أن يدمج كل الحكماء والأدباء والشعراء والأرواح المبدعة ليذوبوا ويصبحوا شيئا واحدا.
وبالرغم من تأثير أدبه الكبير على الناس، ولكنه كان يشْعر أن مايملكه لَيس كل الحقيقة، وإنما لمحات وومضات منها، ولكن رؤية هذه الومضات هي بداية الطريق الذي يقودكم الى النهاية، إلى المطلق.
هناك رجل رائع آخر اسمه "كلاودي بريجدون" قال حول بضعة كلمات جميلة: " لقد جاءت قوته "أي جبران" من مخزن الحياة الروحية الكبير، وإلا لما كانت كلماته بهذا الشمول وهذه العظمة. لقد استطاع جبران أن يلف هذه القوة ويغلفها بلغة فخمة جزلة جميلة الأمر الذي يعجز الكثير عن فعله."
لقد أحببت دائماً هذه الشهادة من "بريجدون" مع أنني لست موافقا معه بشكل مطلق. نعم ليس هنالك حاجة للموافقة على الزهرة الجميلة وليس هنالك حاجة للموافقة على السماء المليئة بالنجوم ولكن يمكن تقييمها.
أنا أضع اختلافا واضحا بين الموافقة والتقييم العالي ويجب على كل رجل حضاري أن يفهم ويضع هذا الاختلاف، والا عدنا للحالة البدائية للوعي.
انا أوافقُ على كلام "بريجدون" بمعنى أن مايقوله جميل، ومن هنا أضع تقييما ممتازا للكلام. ولكني لا أَستطيعُ الموافقة لأن كل مايقوله هو ببساطة تخمين، لأنه لا يتكلم من منطلق تجربتَه الخاصةَ.
هل لاحظتم ؟ بريجدون يقول: " لقد جاءت قوته من مخزن الحياة الروحية الكبير، والا لما كانت كلماته بهذا الشمول وهذه العظمة" هذا كلام منطقي وعقلاني، ولكنه لايملك جذورا تفاعلية من التجربة الحقيقية. إنه يشْعرُ بأنّ هناك شيئا خارج حدود الدماغ يأتي من خلال جبران ولكنه لا يستطيع الجزم بذلك. وهو لا يُمكنُ أَن يجزم ويؤكد ذلك لأنه لا يملك تجربتَه الخاصة في هذا المجال. إنه معجب كثيرا باللغة الجميلة، حيث نرى كل كلمة تحمل من الشعر والأدب الكثير، ولكنه لايعي "مخزن الروحانية الكبير" لأنه لم يتذوقه ولم يجربه. هو نفسه مَا ذاقَه. لقد أحبَّ جبرانا ولكنه لم يعشه ولم يندمج معه.
إن حالتي تختلف عن "بريجدون" اختلافا كلياً. لذلك فأنا أود أن أقول لكم بضعة أشياء قبل أن أعلق على كلمات جبران:
أولاً: هو بالتأكيد شاعر عظيم، ولكنه ليس حكيما وهناك إختلاف كبير بين الشاعر والحكيم. الشاعر من وقت لآخر يجد نفسه فجأة في نفس الفضاء الذي يتواجد فيه الحكيم. في تلك اللحظات النادرة، تنمو الورود والأزهار حوله، في تلك المناسبات النادرة، يشعر نفسه تقريبا كالنبي ولكن تذكروا أنني أقول تقريباً.
هذه اللحظات النادرة تأتي وتذهب وهو لا يملك تلك اللحظات النادرة التي تأتي كنسيم يمتلأ بالعبير والشذا ثم لا تلبث إلا قليلا لندرك أنها ذهبت.
و في السنة الثانية عشرة, وفي اليوم السابع من أيلول شهر الحصاد صعد إلى قمة إحدى التلال القائمة وراء جدران المدينة و ألقى نظرة عميقة إلى البحر, فرأى سفينته تمخر عباب البحر مغمورة بالضباب
فاختلج قلبه في أعماقه, وطارت روحه فوق البحر فرحاً , فأغمض عينيه , ثم صلىّ في سكون نفسه .
غير أنه ما هبط عن التلة حتى فاجأته كآبة صماء, فقال في قلبه: كيف انصرف من هذه المدينة بسلام, وأسير بالبحر من غير كآبة ؟ كلا ! إنني لن أبرح هذه الأرض حتى تسيل الدماء من جراح روحي
فقد كانت أيام كآبتي طويلة ضمن جدرانها , وأطول منها كانت ليالي وحدتي و انفرادي , ومن ذا يستطيع أن ينفصل عن كآبته ووحدته من غير أن يتألم قلبه ؟
كثيرة هي أجزاء روحي التي فرقتها في هذه الشوارع و كثير هم ابناء حنيني الذين يمشون عراة بين التلال فكيف أفارقهم من غير أن اثقل كاهلي و أضغط روحي !
فليس ما أفارقه بالثوب الذي انزعه عني اليوم ثم ارتديه غدا , بل هو بشرة أمزقها بيدي
كلا و ليس فكراً أخلفه ورائي بل هو قلب جمّلته مجاعتي و جعله عطشي رقيقاً خفوقاً.
جبران خليل جبران – الاسم بحد ذاته يجلب الكثير من الاعجاب والفرح الذي نعجز عن احتوائه وعن مقارنته بأي شيء آخر.
عند سماع هذا الاسم أشعر بأجراس ترن في قلبي الذي يشعر على الفور أنه لا ينتمي لهذا العالم "المادي".
جبران هو موسيقى صافية، سر ولغز يحتاجان للشعر الذي يستطيع ادراكهما أحياناً، لكن في بعض الأحيان فقط.
لقد إخترت لكم رجلا محبوبا على هذه الأرض الجميلة.
لقد كان هنالك رجال عظماء في القرون الماضية ولكن جبران صنف متفرد بحد ذاته. وأنا لا أَستطيعُ أن أتخيل أن يكون في المستقبل القريب رجل بهذه البصيرة العميقة التي ترى قلب الانسانية والمجهول الذي يحيط بنا بشكل واضح.
جبران قام بعمل شبه مستحيل واستطاع أن يقدم للبشرية من خلال لغته بضعة لمحات من ذلك العالم المجهول اللامرئي.
لقد استطاع جبران أن يرفع من مستوى اللغة البشرية والوعي الانساني بشكل لم يستطعه أي أديب آخر.
لقد استطاع جبران أن يدمج كل الحكماء والأدباء والشعراء والأرواح المبدعة ليذوبوا ويصبحوا شيئا واحدا.
وبالرغم من تأثير أدبه الكبير على الناس، ولكنه كان يشْعر أن مايملكه لَيس كل الحقيقة، وإنما لمحات وومضات منها، ولكن رؤية هذه الومضات هي بداية الطريق الذي يقودكم الى النهاية، إلى المطلق.
هناك رجل رائع آخر اسمه "كلاودي بريجدون" قال حول بضعة كلمات جميلة: " لقد جاءت قوته "أي جبران" من مخزن الحياة الروحية الكبير، وإلا لما كانت كلماته بهذا الشمول وهذه العظمة. لقد استطاع جبران أن يلف هذه القوة ويغلفها بلغة فخمة جزلة جميلة الأمر الذي يعجز الكثير عن فعله."
لقد أحببت دائماً هذه الشهادة من "بريجدون" مع أنني لست موافقا معه بشكل مطلق. نعم ليس هنالك حاجة للموافقة على الزهرة الجميلة وليس هنالك حاجة للموافقة على السماء المليئة بالنجوم ولكن يمكن تقييمها.
أنا أضع اختلافا واضحا بين الموافقة والتقييم العالي ويجب على كل رجل حضاري أن يفهم ويضع هذا الاختلاف، والا عدنا للحالة البدائية للوعي.
انا أوافقُ على كلام "بريجدون" بمعنى أن مايقوله جميل، ومن هنا أضع تقييما ممتازا للكلام. ولكني لا أَستطيعُ الموافقة لأن كل مايقوله هو ببساطة تخمين، لأنه لا يتكلم من منطلق تجربتَه الخاصةَ.
هل لاحظتم ؟ بريجدون يقول: " لقد جاءت قوته من مخزن الحياة الروحية الكبير، والا لما كانت كلماته بهذا الشمول وهذه العظمة" هذا كلام منطقي وعقلاني، ولكنه لايملك جذورا تفاعلية من التجربة الحقيقية. إنه يشْعرُ بأنّ هناك شيئا خارج حدود الدماغ يأتي من خلال جبران ولكنه لا يستطيع الجزم بذلك. وهو لا يُمكنُ أَن يجزم ويؤكد ذلك لأنه لا يملك تجربتَه الخاصة في هذا المجال. إنه معجب كثيرا باللغة الجميلة، حيث نرى كل كلمة تحمل من الشعر والأدب الكثير، ولكنه لايعي "مخزن الروحانية الكبير" لأنه لم يتذوقه ولم يجربه. هو نفسه مَا ذاقَه. لقد أحبَّ جبرانا ولكنه لم يعشه ولم يندمج معه.
إن حالتي تختلف عن "بريجدون" اختلافا كلياً. لذلك فأنا أود أن أقول لكم بضعة أشياء قبل أن أعلق على كلمات جبران:
أولاً: هو بالتأكيد شاعر عظيم، ولكنه ليس حكيما وهناك إختلاف كبير بين الشاعر والحكيم. الشاعر من وقت لآخر يجد نفسه فجأة في نفس الفضاء الذي يتواجد فيه الحكيم. في تلك اللحظات النادرة، تنمو الورود والأزهار حوله، في تلك المناسبات النادرة، يشعر نفسه تقريبا كالنبي ولكن تذكروا أنني أقول تقريباً.
هذه اللحظات النادرة تأتي وتذهب وهو لا يملك تلك اللحظات النادرة التي تأتي كنسيم يمتلأ بالعبير والشذا ثم لا تلبث إلا قليلا لندرك أنها ذهبت.
الشاعر العبقري هو الذي يمسك بتلك اللحظات ليحولها الى كلمات. هذه اللحظات تأتي وتذهب إلى حياتكم أيضاً، لأنها هدايا مجّانيةَ من الوجود، وهي بمعنى آخر ومضات تدفعكم للبحث عن الوصول للحظات يصبح فيها هذا الفضاء "فضاء الحكمة" هو حياتكم الحقيقية، دمكم، عظامكم، نخاعكم. أنفاسكم وحتى دقات قلوبكم، بحيث لاتستطيعون اضاعته حتى لو أردتم ذلك.
إن الشاعر يكون حكيما للحظات، والحكيم هو شاعر حقيقي إلى الأبد.

